أبو علي سينا
154
التعليقات
وجود الأول والثواني . فنفس وجود الجميع ، أعنى الأول والثواني ، نفس العقلية . أنت إذا عرفت صفة لموصوف فإنما عرفته بعلة . فإذا كان ليس للصفة والموصوف والعلة بينهما وجود من خارج على ما هو موجود في ذاته ، لم يحتج ذلك الموصوف إلى أن يعرف الصفة بعلتها . الأول يعقل ذاته على ما هو عليه الذاتية مبدأ للموجودات وأنها لازمة له عقلا بسيطا . فليس يعقل ذاته أولا ، ويعقل أنه مبدأ للموجودات ثانيا ، فيكون عقل ذاته مرتين ، بل نفس عقله لها هو نفس وجودها عنه . وليس اعتبار تعقل الأول كاعتبار تعقلنا نحن : فإنّا نعرف العلة والمعلول من لوازم كل واحد منهما وبقياس واعتبار ، فنعقل أولا أنه موجود ، ونعقل أيضا أنه مبدأ للموجودات بقياس ونظر ، ونعقل أيضا أنا عقلنا ذلك بعقل آخر . وليس الحال في تعقل الأول كالحال في تعقلنا ، فإنه ليس يحتاج إلى أن يعقل أنه قد عقل ذاته مبدءا للموجودات ، لأنه عقل ذلك بسيطا وعلى ما عليه الأمر في الوجود ، ولم يعقله بمقايسة وإلّا تسلسل الأمر ، فيكون عقل ذاته مبدءا ، وعقل أنه عقل ذاته مبدءا . لو كان يعقل ذاته أولا ، ثم يعقلها مبدءا للموجودات ، لكان عقل ذاته مرتين ، ولم يكن عقله عقلا بسيطا ، بل كان عقله الثاني غير عقله الأول ، فيكون عقل ذاته مبدأ تعقل غير ما عقل به ذاته ، أو لأنه يعقل ذاته أولا لأنه يعقل ذاته أولا باعتبار ونظر . فإذن هو تعقل ذاته على أنه مبدأ لها ، على ما هي عليه ، وتعقل جميع الأشياء على ما هي عليه عقلا بسيطا من غير حاجة إلى اعتبار ونظر . كون هذه الصورة موجودة عنه هو نفس علمه بها ، وعلمه بأنه يلزم عنها وجود ما هو مبدأ لوجودها عنه ، وليس يحتاج إلى علم آخر يعلم به أنه مبدأ لوجودها عنه . وجود هذه الصور التي عنده عنه هو نفس علمه بأنه مبدأ لها . فهذه المعقولية هي نفس هذا الوجود ، وهذا الوجود هو نفس هذه المعقولية . المعقولات إذا كانت غير مجردة قائمة بذاتها بل تكون مثل الصورة في المادة ، فيحتاج في تعقلها إلى أن تجرد عن المادة بتدبيرها ، ما لم تكن معقولة بالحقيقة . وليست معقولية المعقولات للأول هي على هذا ، حتى يكون تعقله لها من حيث أنها موجودة ومن حيث لوجودها تأثير في عقليته لها ، حتى إنها تفيده عقلا ، بل هذه المعقولات من لوازم ذاته ، فهو يعقل ذاته على ما هو عليه من لزوم هذه الأشياء لها فلا يستفيد عقله